محمد بن جرير الطبري

179

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك : التخفيف ، لان ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب ، وقد أنكر التشديد جماعة من أهل المعرفة بكلام العرب ، أن يكون معروفا من كلام العرب ، غير أن الفراء كان يقول : لا نعرف جهة التثقيل في ذلك ، ونرى أنها لغة من هذيل ، يجعلون إلا مع إن المخففة لما ، ولا يجاوزون ذلك ، كأنه قال : ما كل نفس إلا عليها حافظ ، فإن كان صحيحا ما ذكر الفراء ، من أنها لغة هذيل ، فالقراءة بها جائزة صحيحة ، وإن كان الاختيار أيضا إذا صح ذلك عندنا ، القراءة الأخرى ، وهي التخفيف ، لان ذلك هو المعروف من كلام العرب ، ولا ينبغي أن يترك الأعرف إلى الأنكر . وقد : 28583 - حدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثنا أبو عبيد ، قال : ثنا معاذ ، عن ابن عون ، قال : قرأت عند ابن سيرين : إن كل نفس لما عليها حافظ فأنكره ، وقال : سبحان الله ، سبحان الله . فتأويل الكلام : إذن : إن كل نفس لعليها حافظ من ربها ، يحفظ عملها ، ويحصي عليها ما تكسب من خير أو شر . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 28584 - حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : إن كل نفس لما عليها حافظ قال : كل نفس عليها حفظة من الملائكة . 28585 - حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إن كل نفس لما عليها حافظ : حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك إذا توفيته يا بن آدم قبضت إلى ربك . وقوله : فلينظر الانسان مم خلق ؟ يقول تعالى ذكره : فلينظر الانسان المكذب بالبعث بعد الممات ، المنكر قدرة الله على إحيائه بعد مماته ، مم خلق يقول : من أي شئ خلقه ربه ؟ ثم أخبر جل ثناؤه عما خلقه منه ، فقال : خلق من ماء دافق يعني : من ماء مدفوق ، وهو مما أخرجته العرب بلفظ فاعل ، وهو بمعنى المفعول ، ويقال : إن أكثر من يستعمل ذلك من أحياء العرب ، سكان الحجاز إذا كان في مذهب النعت ، كقولهم : هذا سر كاتم ، وهم ناصب ، ونحو ذلك .